أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

Post ADS 2
📁 جديد الشات

صديق من العراق.. رحلة القلب من بغداد إلى صنعاء وعدن وتعز

 صديق من العراق.. رحلة القلب من بغداد إلى صنعاء وعدن وتعز

 

منذ أن كانا صغيرين، جمعتهما أيام الطفولة في أزقة بغداد القديمة، حيث كانت الدروب متشابكة كالعلاقة التي نسجتها الأيام بينهما. كان علي يحمل في قلبه شغفاً كبيراً لمعرفة الدنيا، وحباً عميقاً لكل ما هو عربي، وكان أحمد صديقه الوفي، الذي كان يستمع إليه وهو يحلم بصوت عالٍ: "يوماً ما سأذهب إلى اليمن.. أرض العرب العروبة، أتجول في مدنها، وأعيش بين أهلها، وأرى جمالها الذي يُحكى عنه في القصص".

 

وحانت اللحظة التي طال انتظارها.. حمل علي حقيبته، وودع بغداد وشوارعها التي تحكي تاريخاً طويلاً، وتوجه نحو الجنوب، نحو اليمن، تلك الأرض التي تمتزج فيها أصالة الماضي بعبق الحاضر. كانت رحلته تبدأ من صنعاء، العاصمة التي تشرق عليها الشمس فتضيء مبانٍ من الطين المحروق، تزينها زخارف بيضاء كأنها حلي تلبسها المدينة.

 

عندما وصل علي إلى صنعاء، لم يشعر أبداً بأنه غريب. فمنذ الخطوة الأولى، وجد من يقول له: "أهلاً وسهلاً.. العراق وأهله كلهم أهلنا". طاف في شوارع "باب اليمن"، وتجول في الأسواق القديمة التي تعج بكل ما هو عريق، وتأمل المباني الشاهقة التي تروي قصة حضارة ضاربة في جذور التاريخ. كتب لي رسالة قال فيها: "يا صديقي.. صنعاء ليست مجرد مدينة، هي لوحة فنية معلقة بين السحاب، وكل بيت فيها يحكي قصة، وكل إنسان هنا يحمل قلباً كبيراً يملأه الود والكرم، تماماً كما نحب ونعرف أهل العراق".

 

ومن صنعاء، سارت رحلته جنوباً نحو عدن، عروس البحر الأحمر، المدينة التي تفتح ذراعيها على الماء، فتمتزج رائحة اليود البحرية بروائح البهارات والقهوة العدنانية الأصيلة. هناك، بين ميناء المعلا وشوارع التواهي، اكتشف علي وجهاً آخر لليمن.. وجهاً ساحلياً بامتياز، يمتزج فيه كرم أهل الجبال ببساطة أهل السواحل. تعرف على ناسها الطيبين، الذين استقبلوه في بيوتهم، وشاركوه طعامهم، وحدثوه عن تاريخ مدينتهم العريق، كيف كانت ملتقى للقوافل والسفن، وكيف بقيت رمزاً للصمود والجمال. قال لي في حديثه: "عدن يا أحمد بحر من الحنان.. الماء هنا لا يفصل بين الناس، بل يجمعهم، وأهلها قلوبهم نقية كالماء الذي يلامس شواطئهم".

 

ولم تكتمل الرحلة دون زيارة تعز، تلك المدينة التي تتربع فوق قمم الجبال، عالية شامخة، عريقة بتاريخها، غنية بأدبها وعلمها. في تعز، شعر علي بأنه يعيش وسط قصة أسطورية، فالمدينة محاطة بالخضرة من كل جانب، والهواء فيها عليل، وكأنها جنة مصغرة فوق الأرض. هناك، وجد أن الكرم والأصالة ليست مجرد كلمات، بل هي طبع أصيل في كل يمني التقى به. تجول في حاراتها القديمة، وزار قلعتها التاريخية، واستمع إلى قصص أهلها الذين يفخرون بانتمائهم لمدينة العلم والأدب. كتب لي قائلاً: "تعز يا صديقي قلب اليمن النابض.. هنا تشعر بالعروبة الحقيقية، وهنا تعرف معنى أن تكون إنساناً يحب وطنه ويحب أخاه أينما كان".

 

طوال رحلته، لم يكن علي مجرد زائر يأخذ ويرحل، بل كان سفيراً لبلده العراق، يحمل في كلامه لهجة أهل الرافدين الطيبة، وفي قلبه كل معاني المحبة. كان كلما ذكر اسم العراق، رأى الابتسامات تتسع، وسمع الكلمات الطيبة: "العراق أم العرب، ونحن وإياكم دم في عرق واحد".

 

عاد علي من رحلته محملاً بذكريات لا تُنسى، وبحب أكبر لهذه الأمة الواحدة. جلسنا معاً في بغداد، وهو يروي لي ما رأى وسمع، وقال لي كلاماً لن أنساه:

"يا أحمد.. لقد سافرت لأرى اليمن، فوجدت أنني لم أغادر العراق. فالقلوب واحدة، والدم واحد، والأصالة واحدة. في صنعاء رأيت عراقة بغداد، وفي عدن شعرت بدفئ أهلنا، وفي تعز لمحت صمود أجدادنا. العراق وال Yemen شريكان في التاريخ، وشريكان في الحب، وشريكان في كل ما هو جميل".

 

تلك هي قصة صديقي.. رحلة بدأت من دجلة والفرات، لتصل إلى صنعاء وعدن وتعز، لتثبت أن الحدود مجرد خطوط على الخرائط، لكن القلوب العربية تبقى متصلة ببعضها، حباً ووداً وأخوة، لا تغيرها المسافات ولا تفرقها الأزمان. فما أجمل أن يكون لك أخٌ في الله والوطن في كل مدينة، وما أروع أن تسافر فلا تشعر بغربة، لأنك تحمل وطنك في قلبك، وتجد الأهل في كل أرض عربية تطأها قدمك.

علي مهدي
علي مهدي
تعليقات