أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

Post ADS 2
📁 جديد الشات

قصة حزينة.. حفل تخرج جامعة الأنبار – كلية التربية للبنات 😔🎓

 قصة حزينة.. حفل تخرج جامعة الأنبار – كلية التربية للبنات 😔🎓

 

كانت القاعة الكبرى في كلية التربية للبنات بجامعة الأنبار تعج بالحضور، وتملؤها الأصوات والضحكات، والزغاريد التي تتعالى من حين لآخر. الألوان الزاهية، والفساتين الجميلة، والعباءات الأنيقة، وملابس التخرج الموحدة التي تزين أجساد الفتيات، كل شيء كان يوحي بفرحة عارمة، ونجاحٍ طال انتظاره لسنوات طويلة.

 

كانت "ليالى" تقف في الصف الأول، بين زميلاتها اللواتي كبرن معاً، وتعلمن معاً، وشاركن كل لحظات الدراسة والتعب والامتحانات. كانت ترتدي زي التخرج الأنيق، وشالها الأبيض الناعم ينسدل على كتفيها، ووجهها الصافي يطل من بين الوجوه المشرقة.. لكن عينَيها لم تكن فيهما تلك البريق الذي كان يملأهما قبل سنوات، وإنما كان يكسوهما حزنٌ دفين، ودموع تكاد تتساقط رغماً عنها.

 

اليوم هو اليوم الذي حلمت به طويلاً.. اليوم الذي كانت تعدّ له العدة، وتنتظره بفارغ الصبر.. ليس فقط لتنال شهادتها، بل لأنها كانت تتخيل والدها، ذلك الرجل الطيب، الصلب كأشجار النخيل، الحنون كمياه الفرات، وهو يقف في الصفوف الأمامية، يراقبها بفخر، وعيناه تفيضان دموع الفرح، ويقول للجميع بكل اعتزاز: "هذي ابنتي.. لقد نجحت.. لقد وصلت".

 

كان والدها هو كل شيء في حياتها.. هو من كان يشد على يدها في كل خطوة، هو من كان يقول لها دائماً: "يا بنيتي.. العلم سلاحكِ ومستقبلكِ، وأنا سأبقى بجانبكِ حتى آخر نفس في حياتي، لأراكِ في أعلى المراتب". كان يقطع المسافات، ويتحمل الصعاب، ويعمل ليل نهار، فقط ليرى هذه اللحظة.. لحظة تخرجها من جامعة الأنبار، جامعة أهلها وأرضها، جامعة الأصالة والكرامة.

 

لكن القدر لم يمهله.. وقبل شهر واحد فقط من هذا اليوم المجيد، وبينما كان يستعد ليحضر حفلها، ويشتري لها الهدايا، ويعدّ العبارات التي سيقولها لها، ألمّ به مرضٌ مفاجئ لم يمهله طويلاً، ورحل.. رحل وترك قلب ليالى معلقاً بين السماء والأرض، رحل وهو يحلم برؤيتها في هذا الثوب، ولم يتبقَ منه إلا الذكريات، ورائحته التي ما زالت تملأ أرجاء المنزل.

 

بدأت مراسم الحفل.. الموسيقى تعزف، والكلمات الجميلة تُلقى، والأسماء تُنادى واحدة تلو الأخرى، وكل فتاة تصعد المنصة، وتستلم شهادتها، وتلقي نظرة على أهلها الذين يصفقون ويهتفون لها بكل حب. كانت ليالى ترى كل ذلك، وقلبها يعتصر ألماً.. زميلتها "رغد" صعدت وعانقت والدتها، و**"علياء"** احتضنها إخوانها وهم يبكون فرحاً، و**"سارة"** التقطت الصور مع والدها الذي كان يحملها بيديه ويقبل جبينها.

 

وكانت ليالى وحدها.. وحدها وسط كل هذا الزحام والفرح.

 

حين نُودي باسمها: "ليالى.. خريجة قسم اللغة العربية"، ارتجف جسدها، ومشت بخطوات بطيئة ومرهقة نحو المنصة. صعدت الدرجات، ويدها ترتجف، وعيناها تبحثان تلقائياً عن ذلك المقعد المعتاد في الصف الأمامي.. المقعد الذي كان مخصصاً له، والذي ظل فارغاً كما هو، لا أحد يجلس عليه.

 

استلمت الشهادة بيدٍ باردة، وسمعت التصفيق الحار، ورأت ابتسامات الأساتذة والزميلات.. لكنها لم تشعر بأي فرحة. نظرت إلى الشهادة، وقرأت اسمها، وغرقت في دموعها التي لم تعد تستطيع كتمها. همست لنفسها بصوتٍ مسموع، والكلمات تخرج مختنقة بالبكاء:

"أبي.. لقد فعلتها.. كما وعدتك.. ها أنا ذا قد تخرجت، وحصلت على الشهادة.. لكنها لا تساوي شيئاً بجانبك.. ما فائدة النجاح إذا لم تكن أنت هنا لتراه؟ ما قيمة الفرح وأنت لست معي لتشاركني إياه؟"

 

نزلت من المنصة، والدموع تغسل وجهها، وتختبئ خلف شالها الأبيض. اقتربت منها زميلاتها، واحتضننها، وحاولن التخفيف عنها: "مبروك يا ليالى.. الله يرحمه، ويجعله في جنات النعيم.. كان فخوراً جداً بكِ، وروحه هنا الآن معكِ".

 

لكن الكلام مهما كان طيباً، لا يستطيع أن يعوض غياب الأب.

 

جلست في زاوية هادئة من القاعة، بعيداً عن الأضواء والموسيقى، تنظر إلى الفتيات وهن يلتقطن الصور مع أهاليهن، ويملأن المكان ضحكاً وفرحاً. كانت تنظر إليهن وتتساءل في ألم: "لماذا الفرح يكتمل فقط بوجودهم؟ ولماذا يتركوننا في أجمل لحظاتنا ليكون الحزن رفيقنا الوحيد؟"

 

تذكرت كيف كان يوصلها إلى الجامعة في كل صباح، وكيف كان ينتظرها ساعات طويلة أمام البوابة حتى تنتهي محاضراتها، وكيف كان يقول لها دائماً: "جامعة الأنبار هذه يا ابنتي، بنيت بعرق الرجال، وبتضحياتهم، وأنتِ جزء من هذا المجد.. كوني كما عهدتكِ، شامخة كالنخيل، عفيفة كالشهد".

 

كان يريدها أن تفخر بانتمائها، أن تفخر بجامعتها، أن تفخر بأرضها.. واليوم هي فخورة جداً، لكن الفخر ممزوج بمرارة الفراق.

 

اقتربت منها عمتها، ووضعت يدها على كتفها، وقالت بصوت دافئ حزين:

 

- "يا ابنتي.. لا تبكي.. انظرِ حولكِ.. أنتِ في كلية التربية للبنات، في جامعتكِ، في بلدكِ.. والدكِ لم يرحل، هو يعيش فيكِ، في نجاحكِ، في شهادتكِ، في كل خطوة تخطينها. هذه الصروح التي نراها، وهذه الجامعة، وهذا العلم.. كل شيء هنا بُني على التضحيات، ووالدكِ كان واحداً من الذين ضحوا من أجل أن يروكم في هذا المكان، في هذا الثوب، في هذا اليوم. هو يراكِ الآن.. وابتسامته أوسع من كل الابتسامات، وفخره بكِ يفوق كل فخر الدنيا".

 

مسحت ليالى دموعها، ونظرت إلى سقف القاعة، وكأنها ترى وجهه هناك.. ابتسمت رغماً عن ألمها، وقالت بصوت خافت:

 

- "أعرف يا عمتي.. أعرف أنه فخور.. لكن قلبي يشتاق إليه جداً.. أشتاق لسماع كلمة (مبروك) منه.. أشتاق لضحكته.. أشتاق ليده الحانية التي كانت تمسح على رأسي".

 

بقيت ليالى في مكانها حتى انتهى الحفل، وحتى خفتت الأصوات، وتفرق الحضور، وبقيت هي تحمل شهادتها بيد، وقلبها المكسور باليد الأخرى. خرجت من بوابة الجامعة، البوابة التي كانت شاهدة على قدومهما معاً كل يوم، ونظرت إلى المكان الذي كان يقف فيه سيارته دائماً بانتظارها.. كان المكان فارغاً، مثل قلبها تماماً.

 

مشت في شوارع المدينة، في مدخل الرمادي، حيث تمتد المباني والحدائق، وكل شيء يذكرها به.. الأرض، والنخيل، والناس.. كل شيء يحمل بصمته.

 

كان حفل التخرج هذا هو أجمل أيام العمر، وأحزنها في آن واحد.. أجملها لأنها حققت حلمها، وحلم والدها، وتخرجت من جامعة الأنبار، جامعة العزة والكرامة.. وأحزنها لأنها حققت كل ذلك، ولم تجد من تستقبلها بذراعيه المفتوحة، ولم تسمع كلمة التهنئة التي كانت تنتظرها أكثر من أي شيء آخر.

 

دخلت المنزل، ووضعت الشهادة على الطاولة، ونظرت إلى صورته المعلقة على الجدار، وانهمرت دموعها مرة أخرى، وهي تقول:

"ها قد انتهت الرحلة يا أبي.. ونجحت الرسالة.. ورغم كل الحزن الذي في قلبي، سأبقى كما أردتني.. سأبقى بنت الأنبار، شامخة، متعلمة، صابرة.. وسأجعل اسمك عالياً دائماً، حتى ألقاكِ وأنتَ راضٍ عني.. رحمك الله يا أغلى ما أملك، وجعل هذا النجاح شاهداً لنا معكِ في الجنة".. 😔🤍

علي مهدي
علي مهدي
تعليقات