حاب أتعارف على دكتورة
كان "علي" شاباً في مقتبل العمر، يعمل مهندساً في إحدى الشركات، ويتمتع بأخلاق طيبة وشخصية هادئة. منذ فترة طويلة، كان يحلم بأن يرتبط بفتاة تجمع بين العلم والأدب، فتاة واعية، تحمل رسالة إنسانية، وتكون له رفيقة درب تفهمه وتشاركه حياته. كان دائماً يقول في نفسه: "حاب أتعارف على دكتورة.. ليس فقط لقبها أو مكانتها، بل لأن مهنة الطب تحمل في طياتها الرحمة والشعور بالآخرين، وهذه هي الصفات التي أبحث عنها في شريكة حياتي."
لم يكن يريد التعارف بطريقة تقليدية أو عابرة، بل كان يبحث عن لقاء طبيعي يحترم فيه شخصيتها ومكانتها. وفي يوم، ذهب إلى أحد المراكز الطبية المتطورة لإجراء فحص دوري، وهناك وقعت عيناه عليها.. كانت تجلس في مكتبها، ترتدي المعطف الأبيض، وتنظر إلى الأوراق أمامها بتركيز واهتمام، لكنها كانت تتحدث مع المرضى بلطف وابتسامة تشرح الصدر. كانت الدكتورة سارة، طبيبة شابة، حاصلة على شهادات عليا، وتشتهر بأسلوبها الراقي ومعاملتها الطيبة مع الجميع.
شعر علي بارتباك خفيف عندما جاء دوره، لكنه تمالك نفسه، وجلس أمامها. بدأت هي بالكلام بهدوء تسأله عن حاله، وأجوبتها كانت واضحة ومطمئنة. لم يكن علي يفكر في الفحص بقدر ما كان يفكر في كيفية بدء حديث يليق بها، ويظهر لها احترامه وتقديره. عندما انتهت من الكشف، قال لها بصوت هادئ ومؤدب:
- "شكراًً جداً يا دكتورة.. بصراحة، ما لقيته من اهتمام ولطف منكِ، جعلني أفكر أن مهنة الطب ليست مجرد دراسة وشهادة، بل هي رسالة إنسانية بكل معنى الكلمة."
رفعت سارة عينيها إليه بدهشة طفيفة، وابتسمت وقالت:
- "هذا واجبنا يا سيد علي.. هدفنا دائماً راحة المريض واطمئنانه، والأخلاق قبل كل شيء."
تردد علي قليلاً، ثم تابع بجرأة محسوبة، وبأسلوب مهذب جداً:
- "في الحقيقة يا دكتورة.. لدي أمنية طالما راودتني، وهي أن أتعارف على إنسانة مثقفة، تحمل رسالة سامية، وتكون على قدر من الوعي والأدب.. وبصراحة، منذ دخلت إليكِ، شعرت أنكِ تمتلكين كل هذه الصفات. أنا لا أريد شيئاً غير التعارف الشريف، ضمن حدود الأدب والاحترام، وبرغبة صادقة في بنية علاقة قد تصل إلى الزواج إن شاء الله، وبموافقة أهلكِ وكل الأطراف. هل تسمحين لي بذلك؟"
صمتت سارة للحظات، لم تغضب ولم تستنكر، بل رأت في كلامه صدقاً واحتراماً لم تره من قبل. لم يكن كلاماً عابراً، بل جاء منه بكل أدب ووضوح، مع الحفاظ الكامل على كرامتها ومكانتها. أجابت بهدوء:
- "أقدر جداً أسلوبك وكلامك الطيب يا سيد علي.. وأشكرك على ثقتك وذوقك. لكن الأمر ليس بيدي وحدي، كما أنني أرفض أي تعارف خارج الإطار الصحيح والمحترم. إذا كان لديك رغبة حقيقية، فالطريق الصحيح هو أن تتواصل مع أهلي، وتعرف بي من خلالهم، وبالطريقة التي يرضاها الله وترضى بها العادات والتقاليد. حينها، لا مانع من التعارف ضمن هذه الحدود."
فرح علي جداً بردها، وشعر أن اختياره لم يكن في محله فقط، بل وجد فيها ما كان يبحث عنه: العقل الراجح، والأدب، والالتزام. شكرها بحرارة، وخرج من المركز وقد عقد العزم على السير في الطريق الصحيح.
لم ينتظر طويلاً، بل سارع بالتعرف على عائلتها من خلال معارفه، وتقدم إليهم بكل احترام وأدب، وشرح لهم نواياه الصادقة. رأت العائلة فيه الشاب الخلوق، ذا الأصل الطيب، فوافقوا على الخطوة. بدأ التعارف الرسمي والمنظم، في وجود الأهل، وبالشروط الصحيحة، ليتعرف كل منهما على طباع الآخر وأفكاره وأهدافه في الحياة.
وجد علي في سارة ما كان يتمناه: إنسانة مثقفة، رحيمة، تفهم الحياة، وتعرف كيف تكون زوجة وأماً ناجحة بجانب عملها. ووجدت سارة فيه الشاب الذي يحترم طموحها وعملها، ويقدر قيمتها كإنسانة قبل أن تكون طبيبة، ويكون لها السند والدعم.
مرت الأيام، وتحول التعارف إلى قصة حب شريفة، توجت بالزواج. أدرك علي حينها أن أمنيته التي قالها في نفسه "حاب أتعارف على دكتورة" لم تكن مجرد أمنية، بل كانت بداية طريق قاده إلى أجمل قصة حياة، وإلى شريكة عمر حملت معها العلم والرحمة، وجعلت من بيتهما جنة صغيرة يملؤها الاحترام والتفاهم.
وعرف الجميع حينها أن أجمل قصص التعارف هي تلك التي تبدأ بالاحترام، وتسير في الطريق الصحيح، وتقوم على القيم والمبادئ، فهي وحدها التي تدوم وتزهر وتثمر السعادة الحقيقية.




شكرا على تعليقك