رواية: شمس بغداد.. بعد التخرج
الفصل الأول: وداعًا لحرم الجامعة
في صباحٍ دافئ من أيام حزيران، كانت ساحة جامعة بغداد تعجّ بالضحكات والدموع، والعباءات السوداء تتحرك هنا وهناك كأسرابٍ من الطيور التي تستعد للانطلاق. كانت رنا، سارة، لمى وهديل يقفن متشابكات الأيادي، يلتفحن بعباءات التخرج، وفي أعينهن مزيجٌ من الفرح العميق والخوف الغامض. لقد أمضين أربع سنواتٍ هنا، بين قاعات الدرس ومكتبة الجامعة، وتحت ظلال أشجار النخيل التي شهدت كل أحاديثهن، أحلامهن، وحتى لحظات ضعفهن.
قالت رنا، وهي تمسح دمعةً تسللت من عينها: «لا تصدقن أننا سنغادر هذا المكان.. هنا كان كل شيء، هنا كبرنا وتعلمنا كيف نكون نساءً نافعات لبلدنا». رنا، التي درست الهندسة المعمارية، كانت تحلم دائمًا بأن تعيد بناء ما تهدم في بغداد، بأن ترسم للمدينة وجهًا جديدًا يليق بتاريخها العريق.
أما سارة، تخصص الأدب الإنجليزي، فكانت أحلامها تمتدّ نحو التعليم والترجمة، تقول بابتسامةٍ هادئة: «الجامعة كانت البيت، والآن البيت الأكبر ينتظرنا.. بغداد كلها ساحة عملنا، سنروي فيها ما تعلمناه هنا».
لمى، طالبة الطب، كانت أكثرهن جديةً، حملت شهادتها وكأنها أمانةٌ ثقيلة: «غدًا لن نكون مجرد طالبات.. سنكون مسؤولات، عن أنفسنا، عن أهلنا، وعن هذا الوطن الذي ينتظر منا الكثير». وهديل، خريجة الإدارة والاقتصاد، أضافت بتفاؤلٍ: «مهما كانت الطريق وعرة، سنسير فيها معًا.. صديقات الجامعة هنّ العائلة التي نختارها، ولن نفرقنا الأيام».
عندما خرجن من بوابة الجامعة الكبيرة، التفتن إلى الوراء، ولوّحن بقلوبٍ مليئة بالشكر، وكأنما يقلن: وداعًا يا دار العلم، سترين قريبًا ما صنعته أيادٍ خرجت من رحمك.
الفصل الثاني: طرقٌ متشعبة
مرّت الأشهر الأولى بعد التخرج، وبدأت كل واحدةٍ منهن تخوض غمار الحياة العملية، كلٌ في مجالها، وكلٌ تحمل في قلبها حب بغداد والانتماء إليها، لكن التحديات كانت أكبر مما تصورن.
رنا بدأت العمل في مكتب هندسي صغير، كانت تذهب كل صباح، تمرّ بجسريّ الشهداء والأحرار، تنظر إلى نهر دجلة وكأنه يهمس لها: ابني، أصلح، أبدع. واجهت صعوبات كثيرة، فالكثيرون كانوا يرون أن الفتاة المهندسة لا تستطيع تحمل ضغوط العمل أو الإشراف على المشاريع. لكن رنا كانت تثبت العكس بكل مشروعٍ تشرف عليه، كانت تقول لنفسها: «بغداد تستحق منا أن نكافح، أن نكون أقوى من كل عقبة». ذات يوم، قالت لصديقاتها في لقائهن الأسبوعي: «عندما أرى مبنىً جديدًا أو شارعًا منظمًا، أشعر أنني أردّ جزءًا من الجميل لهذه المدينة التي منحتني كل شيء».
سارة اختارت طريق التعليم، أدركت أن بناء العقول أهم من كل شيء. كانت تدرّس في مدرسةٍ متوسطة، تحبب الطالبات في اللغة والقراءة، وتحكي لهنّ عن بغداد، عن ماضيها العريق ومستقبلها المشرق. واجهت سارة تحديًا آخر، وهو نظرة المجتمع التي ترى أن عمل المرأة مقصورٌ على مجالاتٍ معينة، وأن التعليم مهنة «بسيطة». لكنها كانت تردّ بثقة: «المعلمة هي التي تبني الطبيب والمهندس والوزير.. أنا أضع اللبنة الأولى في بناء الوطن». كانت تكتب القصص القصيرة وتنشرها في الصحف المحلية، تحكي فيها عن فتياتٍ مثلها، يحلمن ويكافحن، لتكون رسالتها واضحة: الكلمة قوة، وقوة المرأة لا حدود لها.
لمى خاضت مشوارًا طويلًا في التدريب الطبي، كانت تقضي ساعاتٍ طويلة في المستشفيات، ترى الألم وتعرف قيمة الصحة. في ليالي البرد والحر، كانت تذهب لتلقي العلاج، تساعد المرضى، وتسمع منهم قصص المعاناة والأمل. قيل لها مرارًا: «العمل الطبي شاق جدًا، ويناسب الرجال أكثر»، لكنها كانت تبتسم وتكمل عملها بدقةٍ وحنان، تقول: «حنان المرأة ورقتها جزءٌ من العلاج.. نحن هنا لنكون عونًا للناس، لنخفف عنهم، ولنبقى جنبًا إلى جنب معهم في كل ظرف». حلمها الأكبر كان فتح عيادة خاصة في منطقتها، تخدم أهلها، وتكون نموذجًا لطبيبةٍ عراقية ناجحة ومحبوبة.
هديل دخلت عالم البنوك والأعمال، كان طريقها مليئًا بالمنافسة والصعوبات، حيث يسيطر الرجال غالبًا على مفاصل الاقتصاد والأعمال. كانت تتعلم كل يوم، تطور من نفسها، وتثبت أن المرأة تستطيع أن تدير، وتخطط، وتنجح. أسست مع مجموعةٍ من زميلاتها مشروعًا صغيرًا لدعم الحرف اليدوية النسائية، تساعد من خلاله السيدات في المناطق الشعبية على تسويق منتجاتهن. قالت يومًا: «الاقتصاد ليس مجرد أرقام، هو حياة الناس، والمرأة هي نصف المجتمع، ولا يمكن أن ينجح اقتصاد بلدٍ دون أن تشارك فيه المرأة بكل قوتها».
الفصل الثالث: الأصدقاء.. ملاذ الأيام
رغم انشغال كل واحدةٍ منهن، ورغم المسافات والظروف، كنّ لا يفوتن لقاءً أسبوعيًا، يجتمعن فيه في مقهىً قديمٍ قرب الجامعة، أو في بيت إحداهن، يحكين ما مررن به، يفرحن لنجاحات بعضهن، ويخففن عن بعضهن متاعب الحياة.
في إحدى الليالي، جلسن حول طاولةٍ مليئةٍ بالحلويات العراقية والشاي، قالت رنا بحزنٍ: «أحيانًا أشعر أن الطريق طويل، وأن ما نفعله قليلٌ جدًا أمام ما تحتاجه بلدنا». ردّت عليها لمى، واضعةً يدها على كتفها: «لا تقولي ذلك.. كل لبنة نبنيها، كل عقل نعلمه، كل روح نساعدها، هي شيءٌ كبير. نحن نزرع، وسنرى الحصاد قريبًا».
قالت سارة بابتسامةٍ: «هل تذكرن يوم تخرجنا؟ كنا نظن أننا نعرف كل شيء، والآن نعرف أننا ما زلنا في بداية الطريق.. لكن أجمل ما في الأمر أننا نسير معًا».
وتحدثت هديل بحماسٍ: «بغداد تحتاجنا، تحتاج عقولنا وقلوبنا وأيدينا. نحن خريجات جامعة بغداد، هذه الشهادة ليست مجرد ورقة، هي عهدٌ قطعناه على أنفسنا: أن نكون خير من يمثل هذا الصرح العظيم، وخير من يخدم هذا الوطن العظيم».
مرت السنوات، وتغيرت وجوه المدينة قليلًا، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: هؤلاء الفتيات اللواتي خرجن من رحم جامعة بغداد، أصبحن نماذج مشرفة في مجتمعهن. رنا صممت مشاريع سكنية وحدائق عامة، سارة أصبحت مديرة مدرسة وكاتبة معروفة، لمى افتتحت عيادتها الخاصة وأسست جمعيةً خيرية لعلاج الفقراء، وهديل أصبحت سيدة أعمال ناجحة، تدير مشاريع تنموية كبيرة.
كنّ يلتقين دائمًا، وفي كل لقاء، كنّ ينظرن إلى نهر دجلة الجاري أمامهن، ويشعرن بالفخر.. فمثلما يجري الماء ولا ينضب، ستظلّ طالبات جامعة بغداد يقدمن العطاء، جيلًا بعد جيل، ليبقى العراق شامخًا، تشرق شمسه بنور علم نسائه ورجاله.
وفي قلوبهن، بقي العهد قائمًا: بغداد.. نحن بناتك، وسنبقى لكِ، ما بقيتِ لنا.
هل تريد إضافة تفاصيل أكثر عن حياة إحدى الشخصيات، أو كتابة فصول إضافية تتابع مسيرتهن مع مرور السنوات؟





شكرا على تعليقك